صديق الحسيني القنوجي البخاري

157

أبجد العلوم

بعده والزّجّاج من بعدهما ، وكلهم عجم في أنسابهم ، وإنما ربوا في اللسان العربي ، فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم . وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى . وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما كما يعرف . وكذا حملة علم الكلام . وكذا أكثر المفسرين . ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم . وظهر مصداق قوله - صلّى اللّه عليه وسلم - : « لو تعلّق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس » . وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة العباسية ، وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر فيه ، فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها وأولي سياستها ، مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع . والرؤساء أبدا يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها ، ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين . وما زالوا يرون لهم حق القيام به ، فإنه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار . حتى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم ، صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وامتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم في الملك والسياسة . وهذا الذي قررناه هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم . وأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه ، واستقر العلم كله صناعة . فاختصت بالعجم وتركتها العرب . وانصرفوا عن انتحالها ، فلم يحملها إلا المعربون من العجم ، شأن الصنائع كما قلناه أولا . فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر . فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سرّ اللّه في حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة ، واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة ، ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي أم العالم ، وإيوان الإسلام ، وينبوع العلم والصنائع . وبقي بعض الحضارة فيما وراء النهر لما هناك من الحضارة بالدولة التي فيها ، فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر . وقد دلنا على ذلك كلام بعض علمائهم في تآليف وصلت إلينا من هذه البلاد وهو « سعد الدين التفتازاني » « 1 » ، وأما غيره من العجم فلم نر لهم من بعد

--> ( 1 ) المتوفى سنة 792 ه .